"زوج الابنة" الذي أسقط إسرائيل في فخه


 يقول الكتاب إن الجاسوس تربطه صلة قرابة بجمال عبد الناصر
لندن - محمد يحيي
سقطت إسرائيل يوم السادس من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1973 في فخ نصبه لها بإحكام عميل مزدوج مصري.
ونجح هذا الجاسوس في تضليل وخداع جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد" في مرحلة ما قبل حرب أكتوبر، وكان أهم أسباب فشل الجيش الإسرائيلي الذريع في الاستعداد لمواجهة هجوم القوات العربية على الجبهتين المصرية والسورية.
جاء هذا على صفحات كتاب صدر مؤخراً في لندن تحت عنوان "تاريخ إسرائيل" للمؤرخ والضابط السابق بالجيش الإسرائيلي أهارون بريجمان، استعرض فيه التاريخ الإسرائيلي منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وحتى يومنا هذا.
وفي الفصل الخاص بحرب أكتوبر/ تشرين الأول يروي المؤلف تفاصيل لم يسبق نشرها عن عملية مخابراتية بالغة التعقيد دارت في الفترة ما بين عامي 1967 و1973
ويقول أهارون بريجمان إنه بعد مضي نحو عامين على حرب يونيو/ حزيران 67 طرق شاب مصري في منتصف العشرينات من العمر باب السفارة الإسرائيلية في لندن وطلب العمل لحساب الموساد.
ولأن الطريقة التي تطوع بها هذا الشاب كانت مباشرة وغريبة، لم يستجب له ممثل الموساد في السفارة، لكنه أصر وترك بياناته على وعد بالعودة مرة أخرى.


يتضمن الكتاب روايات وتفاصيل لم يسبق نشرها
وذكر الكتاب أن مسؤولي الموساد أصيبوا بصدمة شديدة لدى تحققهم من شخصية هذا المتطوع، إذ اكتشفوا أنه مسؤول مصري كبير تربطه صلة قرابة بالرئيس المصري، في ذلك الوقت، جمال عبد الناصر.
وجاء في الكتاب أن الإسرائيليين جندوه على الفور، واعتبر فيما بعد أهم جواسيس إسرائيل المصريين، فكان يتقاضى في كل مقابلة له مع ضابط الموساد المشرف عليه مئة ألف جنيه إسترليني.
وللحفاظ على سرية شخصية هذا الجاسوس، كان الإسرائيليون يشيرون إليه باسم "الدكتور" أو "زوج الابنة".
وانتهج "زوج الابنة" استراتيجيتة بعيدة المدى بدأت بتقديم معلومات صحيحة وقيمة للموساد لكسب ثقة الإسرائيليين انتظاراً لأوان توجيه ضربته.
وقد ساور القلق مسؤولي الموساد من أن يفقد زوج الابنة نفوذه الرسمي عقب موت عبد الناصر في سبتمبر/ أيلول من عام 1970، لكن الرئيس المصري السابق أنور السادات أسند له عدة مناصب مهمة فعينه كوزير بلا حقيبة، وسكرتير إعلامي لرئاسة الجمهورية، ثم أصبح من أقرب معاوني الرئيس.
من أهم ما نقله زوج الابنة لإسرائيل، حسبمنا يذكر الكتاب:
نص حوار دار في موسكو في يناير/ كانون الثاني من عام سبعين بين عبد الناصر والقيادة السوفييتية كرر فيه الرئيس المصري طلب شراء مقاتلات متطورة قادرة على الوصول إلى قلب إسرائيل.
رسالة سرية من أنور السادات للزعيم السوفييتي ليونيد بريجينيف يطلب فيها شراء صواريخ سكود.
وتمكن زوج الابنة من إقناع إسرائيل بأن مصر لن تشن حربا عليها إلا إذا حصلت على طائرات حربية مقاتلة قادرة على الوصول إلى إسرائيل وصواريخ سكود، وهو ما ثبت عدم صحته، الأمر الذي دعم عنصر المفاجأة في حرب أكتوبر.
ومضى زوج الابنة في حملة منظمة ومحسوبة لإمداد الإسرائيليين بمعلومات مضللة، فقد حذرهم في عام 1972 من حرب وشيكة لم تقع.
وفي ربيع عام 1973 قال للموساد إن السادات سيشن حرباً يوم الخامس عشر من مايو/ أيار. وعلى الرغم من تناقض التحذير مع ما سبق أن قاله من أن مصر لن تحارب إلا إذا حصلت على مقاتلات متطورة وصواريخ سكود، فإن الجيش الإسرائيلي أجرى تعبئة عامة كلفت الخزانة الإسرائيلية نحو 45 مليون دولار، ثم سحبت الحشود العسكرية من على خطوط المواجهة يوم الثاني عشر من أغسطس/ آب 1973 أي قبل سبعة أسابيع من قيام الحرب.
الملك حسين
ويقول الكتاب إن العاهل الأردني السابق الملك حسين التقى برئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير في مقر الموساد بتل أبيب يوم الخامس والعشرين من سبتمبر/ أيلول من عام 1973 وحذرها من أن العرب يعدون لحرب وشيكة.


يرى أهارون بريجمان أن "زوج الابنة" تسبب في فشل الجيش الإسرائيلي الذريع في حرب أكتوبر
وحسبما يروي أهارون بريجمان، فإن القيادة الإسرائيلية تجاهلت تحذير الملك حسين بعدما تلقت تقريراً من زوج الابنة قال فيه إنه رافق الرئيس المصري السابق أنور السادات في زيارة للملكة العربية السعودية، وإن السادات أبلغ العاهل السعودي الملك فيصل بأن قرار الحرب قد تأجل.
وفي مساء الجمعة الخامس من أكتوبر 1973 التقى زوج الابنة برئيس الموساد زافيكا زامير بشقة في العاصمة البريطانية لندن وأبلغه بأن الحرب ستبدأ اليوم التالي في الساعة السادسة مساء، وكان في ذلك خدعة أخرى، لأن الحرب اندلعت في الساعة الثانية من بعد الظهر، قبل أن يتمكن الجيش الإسرائيلي من إتمام تعبئة قواته التي بدأت في الساعة العاشرة من صباح السادس من أكتوبر.
الطائرة الليبية
وكان من أبرز عوامل نجاح زوج الابنة في إقناع الموساد بولائه، حسبما يروي الكتاب، قصة ليس لها علاقة مباشرة بحرب أكتوبر.
ففي فبراير/ شباط من عام 73 ضلت طائرة ركاب ليبية طريقها بسبب عاصفة واقتربت من إسرائيل، فخشي الإسرائيليون من أن تكون الطائرة متوجهة لضرب مفاعل ديمونة في صحراء النقب قأسقطوها، وقتل كل من فيها وعددهم مئة وثمانية أشخاص من بينهم وزير الخارجية الليبي الأسبق صالح بو ياسر.
وقد ثار الزعيم الليبي معمر القذافي وحمل برج المراقبة الجوية المصري المسؤولية عن انحراف الطائرة، وطالب السادات بالرد على إسرائيل مصراً على الانتقام بإسقاط طائرة إسرائيلية.
لكن السادات خشي من أن يؤدي القيام بعمل انتقامي إلى اندلاع حرب شاملة مبكرة وإفساد خططه الحربية التي يعد لها منذ سنوات.
فتظاهر بالتجاوب مع الزعيم الليبي وعهد إلى زوج الابنة بإعداد خطة لشن هجوم انتقامي.
واقترح زوج الابنة أن يقوم فريق من خمسة فلسطينيين بضرب طائرة ركاب إسرائيلية أثناء إقلاعها من مطار روما بصاروخ محمول على الكتف.
لكن زوج الابنة أبلغ الإسرائيليين بالخطة واعتقل الفلسطينيون الخمسة في إيطاليا قبل تنفيذ العملية بعد أن نقل الموساد لأجهزة الأمن الإيطالية المعلومات التي تلقاها من عميله.
ويقول الكتاب إن مصر نجحت بذلك في تحقيق ثلاثة أهداف: فقد تفادت إشعال حرب شاملة مبكرة، وحافظت على علاقاتها مع ليبيا، وكسبت ثقة الموساد في زوج الابنة.
محصلة الحرب النهائية
أما في ما يتعلق بالمحصلة النهائية لحرب أكتوبر/ تشرين الأول، فإن مؤلف الكتاب يتفق مع وجهة نظر عبر عنها الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان الجيش المصري إبان الحرب، في مقابلة أجريت معه عام 1998 بمناسبة مرور ربع قرن على معارك أكتوبر.
إذ يرى الشاذلي وبريجمان أن القيادة العسكرية المصرية خططت لحرب محدودة في سيناء لا تتجاوز أهدافها العبور إلى الضفة الشرقية لقناة السويس والتقدم لبضعة كيلومترات ثم إقامة تحصينات واتخاذ مواقع يستطيع الجيش المصري الدفاع عنها اعتماداً على منظومة الدفاع الجوي التي كانت قادرة على صد القوات الجوية الإسرائيلية.
لكن النجاح الساحق الذي حققته القوات المصرية في بداية الحرب أغرى السادات على التحول إلى شن حرب شاملة على إسرائيل، فتقدمت القوات المصرية في سيناء خارج نطاق دفاعاتها الجوية، مما عرضها لضربات جوية إسرائيلية موجعة وساهم في فتح الثغرة التي عبرت منها القوات الإسرائيلية بقيادة الجنرال أرييل شارون إلى الضفة الغربية من قناة السويس.

ساهم فى نشر الموضوع ليكون صدقة جارية لك.

رابط الموضوع:



لاضافة الموضوع في مدونتك او المنتدى:

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

إعلان دائم

تنوه إدارة الموقع إلى أن جميع الأراء والأفكار المطروحه لاتمثل رأي أو وجهة نظر إدارة الموقع وإنما تقع مسؤليتها القانونية على كاتبها .

مصدر الأحصائيات جوجل أنت الزائر رقم: