أعلام المغرب

مقدمة الناشر

منذ قيام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالدعوة إلى الله، مبشرًا به، وجامعًا الناس حوله، وقافلة الدعاة إلى الله لم تتوقف عن العمل بالإسلام وللإسلام، يتبع خَلفها سَلفها.
وها نحن نرى جيل الدعوة المعاصر يسير على خطى سلفه الراشد، يحمل الرسالة، ويؤدي الأمانة، ويجوب المشرق والمغرب داعيًا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مبلغًا عن الله، ومتأسيًا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يحمل لواء الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم.
ولقد كان المستشار عبد الله العقيل وفيًا للعلماء الأعلام من أبناء الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، إذ انبرى يترجم لهم معددًا مآثرهم في مراحل حياتهم المختلفة، فسجل صفحات حب وأخوة، وجهاد ودعوة، وابتلاء وصبر، وصمود وتضحية، تتضح من خلال حركة هؤلاء الأعلام المستمرة في سبيل إعلاء كلمة الله، ومواقفهم الخالدة، وآرائهم الصائبة التي تصحح واقع الأمة الإسلامية آخذة بيدها إلى العزة والنصر والتمكين.
ومركز الإعلام العربي إذ ينشر هذا الكتاب، يتمنى أن يجد فيه شباب الإسلام القدوة الصالحة التي تعينهم على التزام منهج الله سبحانه وتعالى، ويتقدم بخالص الشكر والتقدير لفضيلة المستشار عبد الله العقيل الذي أخذ على كاهله مسؤولية التعريف بأعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة؛ تخليدًا لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم، وتعريفًا للأجيال القادمة بدورهم في نهضة الأمة الإسلامية والدعوة إلى الله على بصيرة.
كما يدعو الله تبارك وتعالى أن يتقبل هؤلاء الدعاة الأعلام في الصالحين، وأن يسكنهم فسيح جناته جزاء ما قدموه خدمة للإسلام والمسلمين.
اللهم آمين

تقديم بقلم/ د. مأمون فريز جرار

العلماء هم مصابيح تهتدي بهم الأمة، بفكرهم وعلمهم وبسيرتهم، فهم ورثة الأنبياء، وهم الأئمة الحكماء، هذا إذا أحسنوا الوراثة عن نبينا (عليه وآله الصلاة والسلام)، ولا تخلو الأمة في جيل من أجيالها من الراشدين من العلماء الذين تجري سيرتهم العطرة بين الناس في حياتهم وبعد رحيلهم عن الدنيا، وذلك من فضل الله تعالى على هذه الأمة.
ومن حق هؤلاء العلماء الهداة، ومن حق الأمة كذلك أن تعرف سيرتهم وتنشر أخبارهم بين الناس؛ حتى لا يطوي النسيان ذكرهم، أو الزمن خبرهم، وهذا دأب الأمة من قديم حين سجل العلماء بعد السيرة النبوية سير الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان حتى عصرنا.
وقد يسر الله تعالى لأستاذنا فضيلة المستشار عبد الله العقيل أن يعرف من علماء عصرنا ودعاته عددًا كبيرًا في بلاد مختلفة؛ مما مكنه من كتابة شيء من سيرتهم في كتابه النفيس (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة) الذي طبع ثماني طبعات مختلفة تجد في كل طبعة منها في الغالب المزيد من التراجم لأعلام يكتب عنهم، ولهذا الكتاب منزلة سيعلم الناس شأنها من بعد كما تلقوه بالثناء عند صدوره؛ لأنه يؤرخ لمرحلة مهمة ولعلماء ودعاة قد يكون لبعضهم ذكر كما أن منهم من لم يجد من يسجل سيرته.
وقد رأى فضيلته أن يفرد كتابًا خاصًا لعدد من العلماء الذين وردت تراجمهم في كتابه، إبرازًا لشأنهم، ولفتًا لسيرهم لما لهم من جهد في العلم والدعوة.
فجزاه الله خيرًا على جهده ووفائه لأهل العلم والدعوة وتقبل منه، إنه سميع عليم.

مقدمة المؤلف

المستشار عبدالله العقيل
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسول الله النبي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد...
فهذه تراجم لبعض علمائنا الأعلام، الذين كانوا نماذج صادقة للدعاة في هذا العصر، بعمق الفهم، وقوة الحجة، وصدق اللهجة، وقول كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثبات على الأمر والتصدي للباطل ومقارعة الظلم، ورفد الجهاد، وتعضيد الدعاة، ومساندة المستضعفين في الأرض، ومجابهة الطغاة، والتزام منهج الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، والنصح لولاة الأمر، والأخذ بأيدي العامة إلى طريق الحق، وفك كرب المكروبين ورفع الظلم عن المظلومين.
إن هؤلاء الأعلام الدعاة الذين عرفتهم عن قرب، والتقيتهم مرارًا، واستفدت منهم كثيرًا في مسيرة حياتي الدعوية والعملية، هم الصور المشرقة والنماذج الفذة لرجال الإسلام في هذا العصر.
وإني مدين لهؤلاء بالفضل الكبير على ما قدموه من نصح وتوجيه، وإرشاد وتقويم للدعاة وطلبة العلم، الذين استقاموا على منهج الله، واتبعوا سنة رسول الله، فكان الله غايتهم والرسول قدوتهم، والقرآن شرعتهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.
وإني لأرجو أن يعم بهذا الكتاب النفع، ويطلع شباب الإسلام وطلبة العلم والدعاة الجدد على هذه السير العطرة لهؤلاء العلماء الأفذاذ والدعاة الصادقين - كما نحسبهم والله حسيبهم - ويستفيدوا من علمهم وخبراتهم وتجاربهم وأساليبهم، فضلاً عن شمائلهم وأخلاقهم، فقد كان الناس يكنُّون لهم الحب والتقدير، والإجلال والاحترام؛ لأنهم كانوا صورًا صادقة ونماذج حية عن الإسلام الحق البعيد عن هيمنة المستكبرين وأصحاب النفوذ، رحمهم الله رحمة واسعة، وأسكنهم فسيح جناته، والحمد لله رب العالمين.

الشيخ محمد الخضر حسين التونسي

(1293 - 1377هـ = 1876 - 1957م)
مولده ونشأته:
الشيخ محمد الخضر بن الحسين التونسي
هو العلاّمة الكبير الشيخ الإمام محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسيني التونسي، ولد في بلدة (نفطة) وقيل: في بلدة «قفصة» من مقاطعة الجريد، من بلاد تونس عام 1293هـ 1876 م، في أسرة عريقة النسب، وحفظ القرآن الكريم، ثم لما بلغ الثانية عشرة من عمره، انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بجامع الزيتونة، فقرأ على الأساتذة والمشايخ.
ومن أشهرهم: الشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ مصطفى رضوان، وخاله العلاّمة الكبير الشيخ محمد المكي بن عزور.
وقد أقبل على التحصيل العلمي، حتى نال الشهادة العالمية في العربية، والعلوم الدينية.
كان غيوراً على الدين، مخلصاً للوطن، عدواً للاستعمار أنشأ مجلة (السعادة العظمى) في عام 1321هـ 1903 م، لنشر محاسن الإسلام، وفضح أساليب الاستعمار، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب العربي الكبير، لكن سلطات الاستعمار الفرنسي أغلقتها سنة 1323هـ 1905 م.
وفي هذه السنة نفسها، تولى القضاء في مدينة (بنزرت) ثم تركه بعد مدة إلى العمل في حقل التدريس في جامعة الزيتونة وفي المدرسة الصادقية.
حكمت عليه سلطات الاستعمار بالإعدام، لأنه اشتغل بالسياسة ودعا إلى الجهاد والتحرير، فهاجر إلى دمشق مع عائلته سنة 1330هـ 1911 م، وأقام فيها مدة طويلة، ودرس في المدرسة السلطانية، ثم سافر بعد ذلك إلى الآستانة و ألمانيا ، ثم عاد إلى دمشق ثانية، ليواصل التدريس في المدرسة السلطانية، ولما احتل الفرنسيون سوريا تركها وهاجر إلى مصر سنة 1339هـ 1920 م.
كان حضور السيد محمد الخضر حسين إلى مصر في وقت كانت في أمس الحاجة إليه، ليقف مع أنصار الدعوة الإسلامية، أمام دعاة الإلحاد وأتباع الثقافة الاستعمارية في مصر .
عمل في البداية مصححاً بدار الكتب المصرية، بأجر زهيد لمدة خمس سنوات، والتقى كبار العلماء، وآثره الأستاذ أحمد تيمور باشا بصداقته.
ولما صدر كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، الذي تابع في تأليفه آراء المستشرقين وكرر مقولاتهم ومزاعمهم، انبرى له الشيخ محمد الخضر حسين، وتصدى لهذا الإفك المبين، والكذب الصريح، وتعقبه حتى أتى على بنيانه من القواعد، وأسقط في يده، وانهارت مزاعمه ومزاعم أساتذته، من المستشرقين الحاقدين على الإسلام والمسلمين.
وكذا الحال حين ظهر كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، الذي هاجم فيه القرآن الكريم إرضاءً لأساتذته من المستشرقين، فقام الشيخ محمد الخضر حسين بالرد عليه رداً مفحماً، وألقمه حجراً، إذ قام الشيخ بالغوص على النصوص العربية، ولم يدع شبهة إلا ردها.
وكان تمكن الشيخ محمد الخضر حسين في الدفاع عن الإسلام ومبادئه وقيمه مدعاة للتقدير، فتقدم لامتحان (العالمية) بالأزهر، وكان رئيس اللجنة الشيخ عبد الحميد اللبان، وقد أبدى الشيخ الخضر حسين من الرسوخ والتمكن في العلوم ما لا حدود له، حتى إن الشيخ اللبان قال عنه: «إن هذا بحر لا ساحل له» ، وبهذا نال الشهادة العالمية الأزهرية، وصار أستاذاً في الأزهر، ومدرساً في كلية أصول الدين.
اتجه الشيخ الخضر حسين إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فكان أحد مؤسسي (جمعية الشبان المسلمين)، ووضع لائحتها مع صديقيه الأستاذ أحمد تيمور باشا، والسيد محب الدين الخطيب صاحب (الفتح).
كما أسس الشيخ الخضر حسين (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان رئيسها، وأصدر مجلة تحمل الاسم نفسه (الهداية) كما تولى رئاسة تحرير مجلتي (الأزهر)، و(لواء الإسلام).
واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بمصر ، وكانت له بحوث في مجلة المجمع، تدل على تمكنه من علوم اللغة، كما عين عضواً في المجمع العربي بدمشق، وعضواً في جماعة كبار العلماء بمصر ، وذلك بعد أن قدم رسالته العلمية (القياس في اللغة العربية)، وترأس الشيخ أيضاً (جمعية الدفاع عن شمال إفريقيا).
توليه مشيخة الأزهر:
تولى مشيخـة الأزهـر أواخـر عام 1371هـ غيـر أنه تـرك الـمشيخة محتسبـاً في سنة 1373هـ 1953 م، لأنه رأى القوم لا يسمعون النصح، ولا يلتـزمون الأدب مع أهـل الـعلم، فآثر البعـد وتـرك المشيخة لمن يتـزاحمون على المنصب في ظل الخضوع للحاكم الظالم، والديكتاتور المستبد.
معرفتي به:
سعدتُ بمعرفة أستاذنا الجليل وشيخنا الكبير والتقيته مرات ومرات، وشرفنا بتوليه منصب مشيخة الأزهر، فهو أهل له، لكنه حين رأى تصرفات الضباط العسكريين من رجال الثورة وتسلطهم على البلاد والعباد، وانتشار الظلم والفساد، ومحاربة الدعاة إلى الله، وإلغاء الشورى، وفرض حكم الفرد الديكتاتوري المستبد، آثر ترك المشيخة، فهو أكرم وأكبر من أن يكون لعبة بأيدي هؤلاء الضباط، الذين شرعوا بتطوير الأزهر بمسخ هويته، وإلغاء دوره العلمي الإسلامي، وإبعاد العلماء الصالحين، وتقريب المرتزقة والمنتفعين من وعاظ السلاطين، وسدنة الظلمة من المنافقين والمتزلفين، الذين يبررون للظالم ظلمه، ويباركون تسلطه على رقاب الناس.
إن الأزهر الذي ظل قروناً عدة رمزاً لتخريج العلماء للعالم الإسلامي كله، يُراد له أن يتحول عن منهجه ورسالته ليكون أداة طيعة بيد رجال السلطة العسكريين يسيرونه كما يشاؤون، ويُملون عليه ما يريدون ويتخذونه بوقاً يُردد صدى ما يقولون، وقد وجدوا ضالتهم في المشايخ المرتزقة، الذين لم يصونوا كرامة العلم والعلماء، وساروا في ركاب الطغمة الحاكمة.
إن الحديث عن هذا العالم الجهبذ، الذي صان نفسه عن مسايرة الظالمين، ومجاراة الطغاة من الأقزام والمهازيل، هو حديث عن الرجولة في أصدق معانيها، وعن العلم في أجمل ثيابه، فمن تصدّر مجالس العلم كان حقاً عليه صيانتها، ومن ارتدى زي العلماء كان أجدر به أن يعرف للعلم قيمته، وللعلماء عزتهم وكرامتهم، وهكذا كان أستاذنا الجليل محمد الخضر حسين، الذي جدد بمواقفه سِيَرَ الرجال من العلماء من السلف والخلف على حد سواء.
لقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من الذين يُؤْلفون لأخلاقهم ويُحترمون لعلمهم، ويقدرون لمكانتهم، وكان التواضع زينته، وبذل العلم لطالبيه ديدنه، ومقارعة خصوم الإسلام والرد على أباطيلهم من أولى مهماته.
تصديه لدعاة الهدم:
وقد أسهم الشيخ مع العلماء والدعاة أمثال: أحمد تيمور باشا، ومحب الدين الخطيب، وحسن البنا، وغيرهم في التصدي لدعاة الهدم والتخريب، من تلامذة المستشرقين الذين أرادوا إبعاد الإسلام عن واقع الحياة، ورفض تشريعاته وأحكامه، ومحاربة لغة القرآن الكريم، والسير في ركاب الغرب بتبني أفكاره وعاداته وتقاليده، والأخذ بحضارته بخيرها وشرها، وحُلوها ومُرّها دونما تمييز أو اختيار، فكان بذلك الصوت المجلجل الذي أخرس ألسنة الببغاوات الذين يكررون مقولات أسيادهم، ويجترون ثقافاتهم دون تمحيص أو تدبر، فكان هذا الصراع بين القديم والجديد، في أكثر من ميدان، وعلى مختلف الأصعدة، إذ شمل التراث واللغة، والأدب والتشريع والتربية، والتعليم والفكر، والتاريخ وغير ذلك.
ثمرات جهوده:
وكان من حصيلة هذا، ظهور التيار الإسلامي المتمسك بالأصالة، والمستفيد من الخير في الحضارة المعاصرة دون السير في ركابها، أو الافتتان ببهرجها وزخارفها.
إن هذه الطبقة من العلماء الذين هم على مستوى محمد الخضر حسين كانت لهم مواقفهم المشهودة وآراؤهم الصائبة، وأصالتهم المتميزة، بحيث حفظوا الأمة من الانزلاق في مهاوي التقليد الأعمى لحضارة الغرب المستعمر.
مؤلفاته:
كما كان لمؤلفاته ودروسه ومحاضراته وبحـوثه ومقالاته أكبر الأثر في توجيه الأمة لمعرفة دينها والتمسك بعقيدتها، والعمل الدؤوب من أجل رفع راية التوحيد وإعلاء كلمة الإسلام، ومن أهمها:
نقض كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، نقض كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، رسالة في السيرة النبوية، موجز في آداب الحرب في الإسلام، القياس في اللغة العربية، بلاغة القرآن الكريم، محمد رسول الله، رسائل الإصلاح، السعادة العظيمة، أسرار التنزيل، الرحلات، تراجم الرجال، تونس وجامع الزيتونة، خواطر الحياة، ديوان شعر... إلخ.
مواقف صلبة:
إن أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين كان في القمة من علماء العصر، الذين قدَّموا القدوة وضربوا المثل لما يجب أن يكون عليه العالم المسلم، أمام التحديات التي يواجهها من خصوم الإسلام في الداخل والخارج، فلم يضعف أمام المغريات، ولم يهب التهديدات، بل وقف موقفاً صلباً رافع الرأس، يقول كلمة الحق ويقدم النصح للراعي والرعية، وينتصب أمام الطواغيت من عبيد الدنيا، والذين يأكلون الفتات من موائد الأعداء، ويتسلطون على أبناء جلدتهم من الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا طول، ولا يملكون من الأمر شيئاً.
إن العلاّمة الشيخ محمد الخضر حسين، قد استعلى بإيمانه على كل أولئك، ولم تلن له قناة أو يتهالك على منصب، بل ركل المنصب بقدمه، حين رأى أنه صورة لا حقيقة، وألعوبة بيد الحاكم المتسلط يملي عليه ما يشاء.
هذا الموقف العظيـم من العالم الكبير، كان العلامة البارزة، والصورة المشرقة المضيئة لما يجب أن يكون عليه علماء الإسلام ودعاته في كل عصر وحين.
وقد كنا ـ نحن الطلبة الوافدين للدراسة بمصر ـ ننظر إلى هذه الكوكبة من العلماء الرجال والفقهاء الأبطال، نظرة الإجلال والتقدير، لأنهم بسيرتهم أعادوا لنا سيرة السلف الصالح من علماء الإسلام الذين حفظوا كرامة العلم، ومنزلة العلماء، وقاموا بواجب النصح للراعي والرعية.
علماء الحق
يقول الشيخ عبد العزيز البدري في كتابه القيم: (الإسلام بين العلماء والحكام):
«... الناس بلا علماء هم جهال، تتخطفهم شياطين الإنس والجن من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب، ومن هنا كان العلماء من نعم الله تعالى على أهل الأرض، فهم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وحجة الله في أرضه، بهم يمحق الضلالة من الأفكار، وتنقشع غيوم الشك من القلوب والنفوس، فهم غيظ الشيطان، وركيزة الإيمان، وقوام الأمة، ومثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بهم في ظلمات الحياة في البر والبحر، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا طُمست النجوم أوشك أن تضل الهداة»، وهم ورثة الأنبياء، وحراس الإسلام، الأمناء على دين الله، الداعون الحكام لتطبيقه، يقولون للظالمين: ظلمتم، وللمفسدين: أفسدتم، يصلحون ما فسد، ويقوّمون ما اعوج، لا يهابون سلطاناً جائراً، ولا حاكماً جباراً، ولا يسكتون عن حق وجبت إذاعته» انتهى.
وهكذا ـ وعلى مدى تاريخ الإسلام ـ كانت النماذج تتكرر من هؤلاء العلماء الأفذاذ، الذين يحملون أمانة العلم، ويبلغون رسالة الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، ويتحملون في سبيل ذلك ما يصيبهم من ظلم الحكام، وجهل العوام، محتسبين الأجر والثواب من الله تعالى.
لقد عاش شيخنا العلاّمة محمد الخضر حسين حتى بلغ الرابعة والثمانين من عمره المبارك، إذ توفي سنة 1377هـ 1957 م، ودُفن في مقبرة آل تيمور بالقاهرة، تاركاً أبلغ الأثر في تراثه العلمي الذي خلّفه، وسيرته الطيبة التي يتحدث بها القاصي والداني من العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله.
رحم الله شيخنا الجليل محمد الخضر حسين التونسي رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا الله وإياه في زمرة عباده الصالحين.

العالم العلاّمة محمد البشير الإبراهيمي

(1306 - 1385هـ = 1889 - 1965م)
مولده ونشأته:
محيي الدين القليبي والشيخ الإبراهيمي الجزائري
هو محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر الإبراهيمي، مجاهد جزائري من كبار العلماء والدعاة وأفذاذ الرجال.
وُلد يوم الخميس 13/10/1306هـ في بلدة (سطيف)، ونشأ فيها، وينتسب إلى قبيلة (ريغه) الشهيرة بأولاد إبراهيم بن يحيى ابن مساهل. أخذ العلم عن الشيخ عبد العزيز الوزير والشيخ محمود الشنقيطي والشيخ حمدان الونيلي والشيخ الطيب بن مبارك الزواوي وغيرهم.
رحل إلى المشرق سنة 1911م، وأقام في المدينة المنورة إلى سنة 1917م ثم في دمشق إلى سنة 1921م. وعاد بعدها إلى الجزائر. وقد نشطت حركة زميله وصديقه الشيخ عبد الحميد بن باديس، فأصبح له نحو ألف تلميذ، وأنشأ (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) سنة 1931م، وتولى ابن باديس رئاستها والإبراهيمي النيابة عنه.
نفيه واعتقاله:
وقد أُبعد الإبراهيمي إلى صحراء وهران سنة 1940م، وبعد وصوله إلى معتقل الصحراء بأسبوع توفي الشيخ ابن باديس، فقرر رجال الجمعية انتخاب الإبراهيمي لرئاستها، واستمر في معتقل (أفلو) الصحراوي من سنة 1940م إلى سنة 1943م.
وبعد إطلاق سراحه أنشأ في عام واحد ثلاثًا وسبعين مدرسة وكتّابًا؛ وكان الهدف نشر اللغة العربية، وجعل ذلك عن طريق تحفيظ القرآن الكريم، إبعادًا لتدخل سلطات الاحتلال الفرنسي؛ وقد تسابق الجزائريون على بناء المدارس فزادت على أربع مئة مدرسة.
وفي سنة 1945م زُجّ به في السجن العسكري ولقي تعذيبًا شديدًا من الفرنسيين، ثم أُفرج عنه، فقام بجولات في أنحاء الجزائر لتجديد النشاط في إنشاء المدارس والأندية والكتاتيب، ثم استقرّ به المقام سنة 1952م بالقاهرة. وحين اندلعت الثورة الجزائرية سنة 1954م قام برحلات إلى الهند وغيرها لإمداد الثورة بالمال والسلاح.
جهوده وجهاده:
وفي فترة إقامته بالقاهرة كان يقيم المحاضرات في المركز العام للإخوان المسلمين ويحدّثهم عن الجزائر وأوضاعها والاستعمار الفرنسي وتسلّطه على الشعب الجزائري المسلم.
وحين حصلت الجفوة بين جماعة الإخوان المسلمين ورجال الثورة المصرية سنة 1954م حاول أن يبذل جهده للإصلاح والتوفيق ولكن الأمر كان قد تفاقم وعزّ العلاج. وقد عاد إلى الجزائر بعد انتصار الثورة الجزائرية.


إن العلاّمة المجاهد البشير الإبراهيمي من أفذاذ علماء الجزائر ودعاتها ومجاهديها، وهو رئيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بعد الشيخ عبد الحميد بن باديس.

وكان العلاّمة الإبراهيمي عالمًا في الفقه والتشريع واللغة والأدب، وخطيبًا مفوّهًا وشاعرًا كبيرًا يهزّ المنابر بجزالة ألفاظه، ويثير المشاعر بقوة أشعاره، إذا خطب فهو الأسد الهصور في زئيره والبركان الثائر في هديره، يأخذ بمجامع القلوب ويشد إليه الأسماع ويجلجل بكلمة الحق وينبري للدفاع عن الإسلام بقوة الحجة ونصاعة البرهان وجزالة اللفظ، وحلو البيان.
معرفتي به:
سعدنا به أوائل الخمسينيات حين كنا ندرس بجامعة الأزهر يحاضرنا بدروسه القيمة ومواعظه النافعة ويرشدنا لما يجب علينا القيام به كشباب مسلم يضطلع بمسؤولية حمل الدعوة ويحمّلنا الأمانة باعتبارنا رجال الغد وأمل المستقبل ويوضّح لنا الأخطار التي تحيط بأمتنا والاستعمار البغيض الذي أناخ بكلكله على أوطاننا فاستغل خيراتها ونهب ثرواتها واستذلّ شعوبها وغزاها بأسلحة الدمار العسكرية والغزو الفكري والتحلل الخلقي والتفسخ الاجتماعي، وكان - رحمه الله - يُلهب حماسنا ويستجيش مشاعرنا ويُعبئ طاقاتنا ويشدنا إلى العمل البنّاء والدعوة الحكيمة والموعظة الحسنة، ويطلب منا الصبر والمصابرة على وعثاء الطريق وأن نتحلى بصفات الرجولة الحقّة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، مثل: قوله تعالى: {في بُيُوتٍ أَذنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَال} (النور: 36).وقوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} (يس: 20). وقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا} (الأحزاب: 21).
توجيهاته وإرشاداته:
يقول: إن للرجولة ضريبة وعليها مسؤولية؛ لأن الرجال هم القمم الشامخة والعلامات البارزة والأئمة الدعاة الذين يقودون الأمة إلى مواطن النصر.
ومن أجمل ما قال شعرًا في هذا المجال قصيدة أحفظ منها قوله:
"لا نرتضي إمامنا في الصفّ ما لم يكن أمامنا في الصفّ"
أي أننا لا نرتضي أن يؤمنا في الصلاة إلا الذي يقودنا في الجهاد
يرى البشير الإبراهيمي أن أسلوب التربية هو أساس عملية التغيير، سواء في النفس أو في المجتمع، وهو الأسلوب الملائم لمواجهة الاستعمار قديمه وحديثه، لأن الاستعمار يهدم والتربية تبني، والاستعمار يجتث وهي تزرع. وكان يرى أن التغيير ينبع من الداخل، بإعادة بناء كيان الإنسان النفسي والعقلي والوجداني على أسس صحيحة من العقيدة الحقّة والإيمان العميق والفكر المتبصّر، مصداقًا لقوله تعالى: {إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} (الرعد: 11)، ويعتقد أن فلسفة التربية ذات نفس طويل لكنه أكيد المفعول، وبهذا يتفق في المنهج والأسلوب مع الإمام حسن البنا.
والتعليم عند الشيخ الإِبراهيمي ليس مجرد حشو لأدمغة التلاميذ بمعلومات كثيرة ينسونها بالسرعة التي تعلموها بها ولكنه فقه وعمل.
آثاره ومؤلفاته:
كان من أعضاء المجامع العلمية العربية بدمشق والقاهرة وبغداد، وله شعر إسلامي يعتبر ملحمة في تاريخ الإسلام، بلغ حوالي ستة وثلاثين ألف بيت، كان ينشره في مجلة (البصائر) التي كان رئيس تحريرها؛ وهو من خطباء الارتجال المفوّهين. وقد طُبعت مقالاته في كتاب (عيون البصائر)، كما أن له كتبًا أخرى منها: (شعب الإيمان)، و(الثلاثة)، و(حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام)، و(الاطراد والشذوذ في العربية)، و(التسمية بالمصدر)، و(أسرار الضمائر العربية)، و(الصفات التي جاءت على وزن فَعلَ)، و(كاهنة أوراس)، و(نظام العربية في موازين كلماتها)، و(رسالة في ترجيح أن الأصل في الكلمات العربية ثلاثة أحرف لا اثنان)، و(نشر الطي من أعمال عبد الحي)، و(ملحمة شعرية)، و(رسالة في مخارج الحروف وصفاتها بين العربية الفصيحة والعامية)، و(الأخلاق والفضائل)، وغيرها كثير جدًا.
قال الشيخ ابن باديس عنه: «عجبتُ لشعب أنجب مثل الشيخ الإبراهيمي، أن يضلَّ في دين، أو يخزى في دنيا، أو يذلَّ لاستعمار».
ومن أقواله:
«إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها، فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد، ومن الواجب أن يتمثّل فيه الطهر والفضيلة والخير.
وهذه الطلائع لا تحقّق رجاء الأمة إلاّ إذا انقطعت للعلم، وتخصّصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات، تامة التسلح، تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم، فتثأر لأمتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوة، ومن العبودية بالتحرر، وتكتسح من ميادين الحق بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتجرين، ومن أفق الرياسة بقايا المشعوذين والأميّين».
«إن فرنسا قد جهلت أو تجاهلت أن أبناء الجزائر، كغيرهم من أبناء العروبة، قد انحدروا من أصلاب قوم كرام يأنفون الذل، ولا يصبرون على الضيم، بل كانوا يؤثرون الموت في عزة وكرامة، على الحياة في ذلة ومهانة. وإني أومن إيمانًا صادقًا أن لا بقاء للاستعمار في أمة مسلمة؛ لأن مبادئ هذا الدين، وتعاليمه، وتوجيهاته، خير دعامة للحرية، وأقوى حافز للثورة ضدّ الذل والعسف.
إن الدين يأمرنا بالاتحاد، والتعاون، والتآزر، ويفرض علينا القتال والنضال، كلما خِيفَ على حرّيتنا أن تُسلب، وعلى كرامتنا أن تُهْدَر، فكيف يتفق أن يكون للاستعمار بقاء مع هذه المبادئ العظيمة التي قرّرها الدين؟».
ويقول عن لقائه بأخيه الشيخ عبد الحميد بن باديس في المدينة المنورة: «كنا نؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبويّ، ونخرج إلى منزلي، فأسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل، حين يفتح المسجد، فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية الأشهر الثلاثة التي أقامها الشيخ في المدينة المنورة، وكانت هذه الأسمار المتواصلة كلها، تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصَّلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتنا، وصحبها من حُسْن النيّة وتوفيق الله، ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله أن تلك الليالي من سنة 1913م، هي التي وُضعتْ فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931م».
نماذج من شعره:
ومن أشعاره قوله في قصيدة (سكتُّ وقلتُ):
سكتُّ فقالوا: هدنة من مسالم
وقلتُ، فقالوا ثورة من محاربِ
وبين اختلاف النطق والسكت للنهى
مجال ظنون واشتباه مساربِ
وما أنا إلاّ البحر يلقاك ساكنًا
ويلقاك جيّاشًا مهول الغواربِ
وما في سكون البحر منجاة راسبٍ
ولا في ارتجاج البحر عصمة ساربِ
وقوله في قصيدة (الإسلام وفضائله):
شعارك الرحمة والسلامُ
للعالمين واسمك الإسلامُ
الحق من سماتك الجليّةْ
العدل من صفاتك العليّةْ
والعقل منذ كنت من شهودِكْ
والفكر بعد العقل من جنودِكْ
ذلك هو الشيخ المجاهد والعالم الجهبذ والداعية الحكيم العلاّمة البشير الإبراهيمي الذي شَرُفَتْ به ساحات النضال وميادين الجهاد يصول ويجول، يذود عن حمى الإسلام ويدافع عن حياضه ويربي جماهير الأمة على منهج الإسلام الحق وصراط الله المستقيم ويعطي الشباب المسلم من خبراته وتجاربه الشيء الكثير.
زيارتنا له:
ولن ننسى له ونحن في فورة الشباب وحماس الفتوة كيف كان بالترحاب يلقانا مع رفقائه في الجهاد والنضال من شخصيات العالم الإسلامي الذين اتخذوا من القاهرة مقرًا، أمثال المجاهد التونسي الكبير محيي الدين القليبي، والشاعر اليمني محمد محمود الزبيري، والزعيم المغربي علاّل الفاسي، والمجاهد الكبير عبد الكريم الخطابي، والداعية المجاهد الفضيل الورتلاني، وغيرهم من القادة والزعماء الرجال.
وكان طلاب البعوث الإسلامية بالأزهر يتحركون بالإسلام في أوساط طلاب الجامعات المصرية الأربع، ويؤكدون في علاقاتهم على معاني الأخوة الإسلامية الحقّة قولاً وعملاً، مقدمين رابطة الإسلام على ما عداها من روابط الجنس أو اللغة أو الوطن أو القومية أو القبيلة، مقتفين أثر الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي جمع بلالاً وعمارًا وسلمان وصهيبًا وأبا بكر وعمر، فكانوا الجيل الفريد الذي اجتمع تحت راية الإسلام تحقيقًا لقول الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمِ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا} (آل عمران: 103).
وبهذه الأخوة الإيمانية وهذا الحب العميق فتحوا الدنيا كلها بإسلامهم، وأقاموا أعظم الحضارات بجهادهم، وحققوا التكافل بأخوتهم، فأشرقت الدنيا بنور الإسلام، وسعدت بتعاليمه، وسادت بأخلاقه وفضائله.
وسرنا - نحن شباب الإِسلام - في الخمسينيات على هذا الطريق وانطلقنا بتوجيه أساتذتنا ومشايخنا نردد قول الشاعر المسلم:
أبي الإسلام لا أب لي سواهُ
إذا افتخروا بقيس أو تميمِ
وانبرى الطغاة وعملاؤهم يكيدون للإسلام وأهله ويمكرون الليل والنهار لوأد هؤلاء البراعم الذين تفتّحت قلوبهم للإسلام، ويضعون كل العراقيل في طريق الدعاة إلى الله ويحاولون بكل وسيلة إيقاف المدّ الإسلامي الذي انطلق بقوة من الجامعات والمدارس يتصدّى للاستعمار ورموزه، فكان ما كان من السجون التي فُتِحتْ، والمشانق التي نُصبتْ، والبيوت التي هُدمتْ، والأموال التي نُهبتْ، والأعراض التي هُتكتْ، مما يعرفه القاصي والداني عن طاغية العصر جمال عبد الناصر الذي أعلن الحرب على الإسلام ودعاته وتقرّب إلى الأعداء بالعدوان على أبناء جلدته، وصدق فيه قول الشاعر:
عبيد للأجانب هم ولكنْ
على أبناء جلدتهم أسودُ
وكان هذا الفرعون الصغير صاحب الوزر الأكبر فيمن سار على نهجه من الطغاة والبغاة وأشباه الرجال في البلاد العربية والإسلامية وغيرها.
وفاته:
ومع كل ذلك ظلّ الإسلام وسيبقى، وظلّ الدعاة إلى الله يتحركون بالإسلام ويعملون في سبيل مرضاة الله، وكان من الأمثلة الصادقة للجهاد أستاذنا العلاَّمة محمد البشير الإبراهيمي، الذي انتقل إلى رحمة الله في الجزائر وهو رهن الإقامة الجبرية في منزله، وذلك يوم 20/5/1965م أجلْ.. وضعوا العالم العامل المجاهد العظيم الإمام في الإقامة الجبرية؛ لأنه أصدر بيانًا باسم جمعية العلماء الجزائريين بعد الاستقلال يحذر فيه من المبادئ المستوردة، رأى فيه الرئيس الجزائري تعريضًا به وبنظام حكمه مما دعاه لفرض الإقامة الجبرية على الشيخ الإبراهيمي إلى أن توفي رحمه الله رحمة واسعة ووفق أحد تلامذته لإتمام مسيرته لخدمة الإسلام والمسلمين.
يقول الشاعر الإسلامي وليد الأعظمي في الترحيب به في بغداد:
باسم الأخوة أستهل كلامي
وبه أفيض على الورى أنغامي
أبشيرنا بالعز جئت فمرحبًا
بك يا بشير النصر والإقدامِ
لا زلت يا نعم الإمام منارةً
من نورها ينجاب كل ظلامِ
لك في الأمور (بصائر) نفّاذةٌ
تسودّ منها أوجه اللّوَّامِ
أما البيان فقد ملكت زمامَهُ
ولبست تاج العزّ والإكرامِ
لله درّك من إمام ناصحٍ
حُرٍ أَبِيٍ عالم مقدامِ
الله أكبر في الجزائر ثورة
قامت على الآمال والآلامِ
رحم الله شيخنا المجاهد، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

الزعيم الكبير محمد علال الفاسي

(1328 - 1394هـ = 1910 - 1974م)
مولده ونشأته:
الزعيم الكبير محمد علال الفاسي
هـو عـلال (أو محمد عـلال) بن عبـد الواحـد بن عبـد السلام بن عـلال بن عبدالله بن المجذوب الفاسي الفهري، هاجـرت أسـرته إلى الأندلس.
وُلد بمدينة (فاس) بالمغرب سنة (1328هـ 1910م) وتعلّم بجامع القرويين حتى حصل على الشهادة العالمية عام 1932، ونشأ نشأة عصامية جمع بين العلم الديني والحماس الوطني فهو زعيم وطني منذ كان طالبـاً، ومن كبار الخطباء والشعراء والعلمـاء بالـمغرب، وكـان له دور فـي مقـارعة الاستعمـار الفرنسي ومحاربته بكل الوسائل وأهمها نشر التعليم وتنظيم قطاعات الأمة للعمل الجماعي وخوض المعارك السياسية والتصدي لكل مخططات الاستعمار.
جهاده وجهوده :
عارض منح الفرنسيين استغلال ماء مدينة فاس، وعارضهم حين أصدروا الظهير البربري لشقّ صفوف الأمة المغربية سنة 1930 فاعتقلته السلطات الفرنسية وهو طالب بالعالمية، ويعمل مدرساً في المدرسة الناصرية، ونفته إلى بلدة (تازة) ثم عاد بعد الإفراج عنه إلى فاس سنة 1931 فمنعته من التدريس، فانصرف إلى جامع القرويين يلقي الدروس العلمية الليلية عن تاريخ الإسلام.
وفي عام 1933م حاولت الإدارة الفرنسية اعتقاله فسافر إلى إسبانيا وسويسرا، واتصل بالأمير شكيب أرسلان وإخوانه المناضلين العرب والمسلمين، ثم عاد إلى البلاد عام 1934م، وأسس أول نقابة للعمال سنة 1936م، وأنشأ كتلة العمل الوطني السرية سنة 1937م فأبعدته السلطات إلى (الغابون) منفياً من سنة 1937م إلى سنة 1941م ثم نُقل إلى (الكونغو) من سنة 1941م إلى سنة 1946م وهناك أُطلق سراحه فأنشأ مع رفاقه (حزب الاستقلال) ثم سافر متنقلاً بين البلاد العربية والأوروبية يدعو لاستقلال المغرب عن فرنسا، وعاد إلى المغرب سنة 1949م فمنعه الفرنسيون من الدخول، فأقام بمدينة (طنجة) وكانت يومئذ منطقة دولية.
وحين أُبعد الملك محمد الخامس سنة 1953م ونُفي من البلاد، دعا علال الفاسي الشعب المغربي للثورة ضد فرنسا وحين رجع الملك واستقرّت الأمور شارك في الحكم فترة قصيرة بعد وفاة محمد الخامس، حيث تولى وزارة الدولة للشؤون الإسلامية عام 1961م، ثم استقال عام 1963م.
ثم انصرف من خلال الحزب (حزب الاستقلال) إلى المعارضة غير العنيفة في مجلس النواب الذي كان عضواً فيه وبقي رئيساً للحزب من 1960م إلى عام1967م.
إن أستاذنا العلاّمة المجاهد والزعيم الكبير علال الفاسي رجل من رجالات الإِسلام المعاصرين الذين حملوا دعوته وجاهدوا في سبيله وأمضوا حياتهم يقارعون الظلم والاستبداد ويحاربون الاستعمار، وهو رئيس حزب الاستقلال المغربي الذي اضطلع في بواكير إنشائه بالتصدي للاستعمار الفرنسي ومحاولته لنيل حقوق الشعب المغربي.
وكان الأستاذ علال الفاسي العالم المبرّز الذي قاد المسيرة نحو استرداد الحقوق للشعب المغربي العربي المسلم وشارك في المقاومة الوطنية بلسانه وقلمه وبدنه، وصار يتحرك في طول البلاد وعرضها مشجعاً الناس على الجهاد ومقاومة الاستعمار والتصدي لأعداء الإسلام الذين احتلوا البلاد وأذلّوا العباد ونهبوا الخيرات ونشروا الفساد.
ثم هاجر من بلده مطارداً من الاستعمار وأعوانه، وطاف الأقطار العربية والإسلامية والعالمية معرِّفاً بقضية بلاده، معرِّياً أساليب الاستعمار ووسائله، كاشفاً خططه ومراميه، موضِّحاً الطريق لاسترداد الحق ونيل الاستقلال وإقامة الشرع. وقد حيّاه الأديب الكبير علي أحمد باكثير بقصيدة جاء فيها:
ذكرتك يا علال والناس هجّع
وليس سوى جفني وجفنك ساهد
وللهمِّ حزٌّ في فؤادي قاطع
ولليأس فتك في أمانيّ حاصد
تكاد الدّجى تقضي عليّ لأنها
دجى العرب تاهت في عماها المقاصد
تداعت على قومي الشعوب فما وَنَتْ
مصادرها عن حوضهم والموارد
ذكرتك يا علال فانتابني الأسى
أكابد من آلامه ما أكابد
كأني أنا المنفي دونك فاصطبر
فهذا شعور في بني العرب سائد
وددت لو اني في فلسطين ثائر
لأهلي تنعاني الظبى لا القصائد
وفي برقة أو في الجزائر قاصم
ظهور العدى والباترات رواعد
فتلك بلادي لا أفرق بينها
لها طارف في مجد قومي وتالد
وقد استجاب لنداء علال الفاسي الكثير من داخل البلاد وخارجها والتفّ حوله الشباب واتخذوه زعيماً لهم وقائداً لمسيرتهم، فانطلق بهم مجمعاً لصفوفهم، شارحاً لهم خطوات العمل ومراحل الجهاد وأعباءه وتكاليفه. وقد استطاع في هذه الجولات أن يتصل بالكثيرين من القادة والزعماء و المجاهدين في العالم الإسلامي أمثال الإمامحسن البنا و محمد صالح حرب و أمين الحسيني و البشير الإبراهيمي و الفضيل الورتلاني و حسن الهضيبي وغيرهم.
لقاءاتي به:
ولقد سعدت بلقائه مرات ومرات، واستفدتُ من دروسه ومحاضراته وندواته، حين كنا ندرس في مصر في أوائل الخمسينيات الميلادية.
وكنا نحن الطلاب الوافدين نشكّل جنسيات مختلفة من أنحاء الوطن الإسلامي ولكن رباط الإسلام وأخوته كانتا الأساس المتين الذي يقوم عليه تجمّع طلبة البعوث الإسلامية بمصر، وقد جرى حوار طويل معه أثاره بعض إخواننا الطلبة المغاربة المعارين الذين طالبوا الزعيم الفاسي بأن يُعنى حزب الاستقلال بالجانب التربوي بحيث لا يطغى الجانب السياسي على معظم نشاط الحزب، وقد تلقّى الزعيم الراحل هذه المناقشات بروح الود والإكبار واعتبرها بادرة طيِّبة من الشباب المغربي الذين استفادوا من وجودهم بمصر في الاتصال بالحركة الإسلامية المعاصرة.
مواقفه ورجولته:
الأستاذ علال الفاسي
كان الأستاذ علال الفاسي وثيق الصلة بالدعاة الإسلاميين والعاملين في الحقل الإسلامي، ينسّق العمل معهم ويقف إلى جانبهم في محنهم ويتصدى للذود عنهم والدفاع عن أهدافهم، وقد اضطلع بمهمة تصعيد الحملة ضد طغيان السلطة الحاكمة بمصر أيام عبد الناصر التي أقدمت على زج العاملين للإسلام ودعاته في السجن وتعليقهم على أعـواد الـمشانق أمثـال الشهداء: عبدالقادر عودة و محمد فرغلي و سيد قطب و يوسف طلعت وإبراهيم الطيب و هنداوي دوير و محمود عبداللطيف و عبدالفتاح إسماعيل و محمد يوسف هواش .
وقد أصدر علال الفاسي العديد من البيانات والتصريحات وعقد الكثير من المؤتمرات لتفنيد مزاعم السلطة واستنكار أعمالها وسطر المقالات الطويلة التي تتحدث عن جهاد هؤلاء الدعاة في (جريدة العلم) المغربية لسان حزب الاستقلال، كما أقام الحزب المهرجانات لاستنكار تلك المجازر البشعة لأولئك الدعاة المجاهدين في أرض الكنانة.
ولن أستطيع الاسترسال في تسجيل المواقف البطولية الرائعة التي كان يقفها المجاهد المرحوم علال الفاسي فهي أكثر من أن تحصى.
ومرَّت الأيام تجري سراعاً ثم التقيتُ به في زيارة قام بها إلى الكويت قبل سنوات وكان بيننا وبينه أحاديث عن هموم المسلمين ومشكلاتهم وطرائق العمل الناجح لإخراجهم من محنتهم.
وكانت أحـاديث وخطب ومحاضرات ونـدوات خـرج منها الفقيد رحمه الله بضرورة توثيق العمل مع الشباب المسلم باعتبارهم الركائز الأساسية لحمل دعوة الإسلام كما أيقن بأهمية البناء التربوي العقائـدي للشباب حـتى يكونوا طلائع البعث الإسلامي المرتقب لهذه الأمة التي طال أمد رقادها واستكانتها لوعود الحكام وخداعهم، أولئك الذين لا يهمّهم إلاّ البقاء على كـراسي السلطة ولو هلكت الشعوب بكاملها ولو ضاعت المقدسات وديست الكـرامات، ومن هنا أخذ رحمه الله يبحث عن العناصر المؤمنة الشابة ليوطد الصـلة بهـا ويكسبها من خبراته وتجاربه في ميدان السياسة والعلم و الجهاد والكفاح.
وهكذا كان الزعيم الراحل لا يدع مجالاً من مجالات العمل الإسلامي إلاّ أسهم فيه وبذل من الجهد ما يستطيع، ورغم أننا نخالفه في بعض اجتهاداته السياسية فإنه ليس لنا إلا أن نعترف بأن مواقفه كانت تنبع من اقتناعه بأن الإسلام هو طريق الخلاص لهذه الأمة من كل ما تشكوه من ويلات وما تعانيه من محن وكوارث.
آثاره ومؤلفاته:
لعل الكثير من الناس لا يعرفون عن المرحوم علال الفاسي إلا أنه رجل من رجال السياسة وزعيم من زعماء الوطنية بينما هو علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وداعية من دعاة المدرسة الإصلاحية التي بدأها المرحوم محمد رشيد رضا، كما أن له باعاً طويلاً وقدماً راسخة في الفقه الإسلامي وخاصة الفقه المالكي والفقه المقارن، وله اجتهادات فقهية يحتج بها علماء المغرب والجزائر وتونس، ولكن غلبة الطابع السياسي والوطني جعلتْ انصرافه للأمور الفقهية يحتل المرتبة الثانية من اهتماماته.
درّس في كلية الحقوق وأصدر كتباً كثيرة منها:
دفاع عن الشريعة ـ الحماية في مراكش ـ السياسة البربرية في مراكش ـ النقد الذاتي ـ الحركات الاستقلالية في المغرب العربي ـ الحرية ـ الحماية الإسبانية في المغرب ـ واقع العالم الإسلامي ـ مهمة علماء الإسلام ـ منهج الاستقلالية ـ رأي مواطن ـ نحو وحدة إسلامية ـ دائماً مع الشعب ـ أناشيد وطنية ـ حديث عن التبشير المسيحي ـ كي لا ننسى ـ المدخل لعلوم القرآن والتفسير ـ المثل الأعلى ـ الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي من أجلها ـ مقاصد الشريعة ومكارمها ـ المدخل لدراسة النظرية العامة للفقه الإسلامي ـ المدرسة الكلامية وآثار الشيخ الطوسي ـ المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى ـ أساطير مغربية ـ عقيدة وجهاد ـ ديوان علال الفاسي (أربعة أجزاء) ـ حديث المغرب في المشرق ـ التقريب: شرح مدونة الأحوال الشخصية ـ معركة اليوم والغد ـ بديل البديل ـ نضالية الإمام مالك ـ دفاع عن وحدة البلاد ـ لفظ العبادة وهل يصح إطلاقه لغير الله؟ ـ نداء القاهرة ـ الجواب الصحيح والنصح الخالص ـ المختار من شعر علال الفاسي ـ رياض الأطفال.. وغيرها كثير لم يطبع بعد.
وهو عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة. وله شعر كثير نذكر بعضه كنماذج:
نماذج من شعره:
من قصيدة له بعنوان «ذكرى مرور أربعة عشر قرناً على نزول القرآن الكريم»، يقول:
يا أمةً قرآنها دستورها
وزعيمها كان النبي المرسلا
عودي إلى الدين الحنيف عقيدة
وشريعة وتخلقاً وتعقلا
ما في سوى القرآن خيرٌ يُجتبى
أو في سوى الإسلام نهجٌ يبتلى
هذي فلسطين الجريحة أصبحت
بيد اليهود أسيرة لن ترسلا
و القدسُ أولى القبلتين يُعِدُّه
أعداءُ أحمد كي يقيموا الهيكلا
عودوا إلى الإسلام يصلح شأنكم
ويُنِلْكم نصراً مبيناً في الملا
ومن قصيدته في رثاء الشهيد سيد قطب يقول:
في ظلال القرآن دوماً مشيتا
فعليكَ السلامُ حيّاً وميتا
قد أنرت السبيل للسالك الحر
وفي نورك البهيّ احترقتا
لم تزل في ضمائر الناس هدياً
نبويَّاً آياته ما شرحتا
دعوة الدين لم تخنها ولكن
لم تطق عن خؤونها قط صمتا
ومن قصيدة له بعنوان «اضطهاد لغة القرآن» يقول:
إلى متى لغة القرآن تُضطهدُ
ويستبيح حِماها الأهلُ والولدُ
أما دَرَوْا أنها في الدهرِ عُدَّتُهم
وما لهم دونها في الكونِ مُلتحدُ
ولن تقوم لهم في الناس قائمة
أو يستقيم لهم في العيش ما نشدوا
إن لم تَتِمَّ لهم بالضاد معرفةٌ
أو يكتمل لهم بالضاد مُعتقدُ
إن العقيدة في الأوطانِ ناقصةٌ
ما لم تكن للسان الشعبِ تستندُ
كما كان خطيباً مفوّهاً وفقيهاً عالماً وسياسياً بارعاً وداعيةً عاملاً يشدّ القلوب والعقول إليه ويستجيب لنداءاته الشباب، فكانوا يستضيفونه بالحلقات العلمية والتجمعات الطلابية والندوات الفكرية ويطرحون عليه كل تساؤلاتهم ومشكلاتهم والطريقة المثلى لتحرير بلادهم من نير الاستعمار، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حين كنتُ أنا وهو والدكتور حسن الترابي والأستاذ إبراهيم الوزير مدعوين لحضور المؤتمر السنوي لاتحاد الطلبة المسلمين سنة 1968م كانت فترة من أجمل الفترات وأياماً من أسعد الأيام حيث امتدت زيارتنا وتطوافنا في الولايات المتحدة قرابة شهر وقفتُ فيها على الكثير من جوانب شخصيته الفذّة التي تمثّل الرجولة والعصامية في أجلى صورها.
من أقوال علال الفاسي:
«تستطيع القوة أن تنال من جسم المسلم، وتستطيع أن تسلبه ماله وحياته أو تخرجه من أرضه وعشيرته، ولكنها لا تستطيع أن تسلبه الإيمان أو تزيل عنه اعتزازه بنفسه واعتداده بعقيدته».
«ما أحوج المسلمين اليوم للرجـوع إلى الـدين كما أُنزل غضـاً طرياً، وما أحـوجهم للتحرر من عقـدة النقص التي ركّبهـا الاستعمار الأجـنبي في بـلادهم حتى أصبحـوا لا يفهمون ولا يُقـدِّرون إلا بـمقاييس المستعمرين».
وكان آخر عمل مشكور قام به هو جهوده في حمل حكومة المغرب على التخلي عن موقفها في المساهمة بإخراج فيلم عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي تكمن وراءه جهات تريد الإساءة لرسول الإسلام ودين الإسلام وأمة الإسلام .
ولقد كنت في زياراتي للمغرب العربي ألتقي العلماء والدعاة والمفكرين ورجال السياسة والأدب فأجد أن الجميع متفق على أن الأستاذ علال الفاسي من أفذاذ رجال المغرب المكافحين ضد الاستعمار والمنافحين عن العروبة و المجاهدين في سبيـل الإسلام . فقد جمع من الصفات وتوفّـر له من الإمكانات مـا جعلـه في طليعـة الرجال ومقدمة الأبطال الـذين أرخصوا الغالي والـنفيس في الذود عن حيـاض الإسلام ومقارعـة الاستعمار والتصدي للتغريب والفرنسة.
ومن هنا كان له هذا الرصيد الضخم من التقدير والإجلال والمحبة في قلوب الجماهير فكان العلم المبرّز والفارس المقدام والداعية الواعي والسياسي القدير والقائد المُحنك الذي استقطب الجماهير الإسلامية والنخب المثقفة بالاحترام والإجلال من الجميع.
ولقد كان هدفه الأساس هو خدمة الإسلام والمسلمين والعمل الجاد الدؤوب لرفع المعاناة عن المظلومين وإحقاق الحق ومـحاربة الفسـاد والطغيان وتربية النشء على منهج الإسلام وانتظام الدعاة في صف واحد للعمل الجاد لإنقاذ الأمة من آثار الاستعمار ومناهجه في التعليم والتربية والسلوك والاقتصاد والسياسة والاجتماع.
ولقد رأيت ثمار جهوده وجهود إخوانه وتلامذته في المغرب العربي في جيل الصحوة الإسلامية المباركة التي شملت المغرب كله في المدن والأرياف والمؤسسات والجامعات والمدارس والمساجد والنقابات المهنية والبلدية والنيابية وغيرها.
وفاته:
وقد انتقل إلى رحمة الله يوم الاثنين 20 ربيع الثاني عام 1394هـ 13/5/1974م.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة وجزاه الله خيراً عن كل عمل صالح قدمه وتجاوز عن أخطائه وسيئاته وغفر الله لنا وله.


التعليقات
0 التعليقات

أنت الزائر رقم : (مصدر الأحصائيات جوجل)

المتواجدون الأن

( مصدر الأحصائيات جوجل )

إعلان دائم

تنوه إدارة الموقع إلى أن جميع الأراء والأفكار المطروحه لاتمثل رأي أو وجهة نظر إدارة الموقع وإنما تقع مسؤليتها القانونية على كاتبها .