أسرار كوني حورية


عندما نتكلم عن هذه الحياة خاصة، فنحن نتكلم إذًا عن آية من آيات الله
العظيمة في هذه الحياة، نتكلم عن وصفٍ كان له البيانُ والقوة في المعاني
والمشاعر، فلا نجد لهذه الحياة كهذا الوصف في إيصال المعنى الدقيق كما
وصفه عز وجل في كتابه: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [الروم: 21].

انظري بقلبك لا بعينكِ فقط، وتأمَّلي بتفكيري في معاني هذه الآية، بل انظري لحروفه
وألفاظه؛ لتجدي كمية ما تحمله من جمال الألفاظ، مع قوة وعمق المعاني:
( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [الروم: 21]،( لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) [الروم: 21]، و( مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )
[الروم: 21].
وإليكِ غاليتي الآية الأخرى وما تحمله من معانٍ ضخمة؛ قال تعالى:
( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ )[البقرة: 187].
لن تنتهي المعاني لمن أطلق قلبه وتفكيره في جمال هذه الحياة تحت
ظل شريعة الإسلام.

وبعد أن يصوِّر الإسلام الحياة العامة بين الزوجين وما تحمله من معانٍ، شرع في
ذكر ما لكلٍّ من الزوجين من صفات، وحقوق وواجبات؛ يبيِّن من خلالها سبيل
التوفيق والنجاح.
وقد وصَف النبي صلى الله عليه وسلم الزوجة بأهم الصفات التي بها يكون نجاحها
وفوزها؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((الدُّنيا كلُّها متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحةُ)).
ووصيته للخاطب بعد أن عدَّد ما تُنكح الفتاة لأجله، فقال: ((... فاظفَرْ بذاتِ الدِّين
تَرِبَت يَداك)).
و((الصالحة))، و((ذات الدين)) معنى شامل كامل عميق، يتفرَّع عنه الكثير من
الصفات التي تتصف بها الزوجة التي ينبغي أن تكون في مجتمعاتنا الإسلامية،
ونسعى للتبصير نحوها.

عن أبي هريرة قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خيرٌ؟ قال:
((التي تسرُّه إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)).

((تسرُّه إذا نظر)) تشمل معانيَ كثيرة؛ تسره في أخلاقها ودينها ومظهرها ومعاملاتها.
((وتطيعه إذا أمر)) وهذا من قوامة الرجل التي هي من طبيعته، ومن طبيعة المرأة أن
تكون تحت وليٍّ وقوامة؛ لما تتطلب فطرتها وطبيعتها ذلك، وبها تسير السفينة بصورة
صحيحة طيبة.
((ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره))؛ أن تكون سببًا في إعانة زوجها في دينه
ودنياه، وأن تكون خيرَ مُعين له وباذلة له سبل الخير والصلاح في نفسها، ولزوجها
ورعيتها.
السر الأول = عناية قلبية
( العلاقة مع الله والعبادات )

لماذا العناية بالقلب ؟ ولما الحديث به  مع الزوجة  ؟
لماذا العناية بالقلب :  سنعرف ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم
".. ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَتْ ،
فسدَ الجَسدُ كُلُّهُ . ألا وهِيَ القَلبُ "
وقول أبو هريرة رضي الله عنه: "القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا طاب
الملك طابت جنوده، وإذا خبث القلب خبثت جنوده"

أم لما الحديث به مع الزوجة ... العناية بالقلب هو حديث كل قلب مؤمن
علم أن للقلب حياة بصلاحه سيكون صلاح دنياه وأخرته
أم اختصاصه بالزوجة هنا فلأن الزوجة هي ملكة  تتولى مكانة لها من التأثير
الكبير التي تحتاج معه لتجديد هذه العناية القلبية التي قد تكون قد أهملت بصورة
غير مباشرة او اتخذت طريق فيه من الميل والهوى ما لا يحقق لها ما تسعى نحوه
من حياة الحب والسعادة .....  
حيث أن أول ماتسعى له الزوجة كثيراً من بداية زواجها هو الحب الحلال
وقلب زوجها  وتبحث عن الطرق الموصلة نحوه باذله جهدها ووقتها بل
وجل تفكيرها في ذلك وللأسف فإن اغلب محاولاتها لا تخرج من مظاهر
فعلية او قلبية ..
فلا فستان فاتن ولا كلمات وتعامل حسن بلا نية  ينفع او يدوم  لها ..

وفي الوقت  هذا ومع انغماسها في ذلك  نجدها في غفلة تامة أو شبه تامة
نحو قلبها .. نعم قلبها الذي أهملت العناية به ؟!
أهملت غذائه ومائه فلا يجد له غداء ولا ماء إلا بمن حوله من البشر وهنا
نجد الخيبات وكثير من  الانكسارات
والتي  في الحقيقة هي السبب في ذلك .. فواحات السراب  لا تجلب
غير زيادة العطش .. والحسرة أن تكون قربة الماء في يدها وهي لا تدرك
تحت غفلة جمال واحات السراب والوهم ..

ولن تصل الزوجة نحو منشودها ومطلبها من هذا الحب إلا عن طريق
"العناية القلبية" هذه الحقيقة التي تغفل عنها او لا تدركها
فهي إلا لم تصل لمطلبها وبغيتها بذاته فلن يعيش قلبها أزمة نقص العواطف  في
ذل الانكسار والحزن  والحرمان ..
بل ستكون العناية التي أوكلتها بفضل الله لقلبها  مثل الماء يغسل ما يلاقيه
فيبقى للقلب صفائه وحياته وحبه .
لو تدرك الزوجة هذا المعنى لاختصرت الكثير من السعي ولأبرزت الكثير من
المعاني الجميلة الدافئة المدفونة ولكن للأسف فبعض الزوجات مابين تفريط أو
إفراط  فإما أن تجعل من زوجها العشيق القاتل بسيف التضحية او السلطان الجائر
بسيف الطاعة  او الدمية المتحركة بسيف الشهوة .
وكل ذلك من أجل هوى نفسها و أنانية حبها الذي لم تربطه بمعاني الحب الحقيقي
فحرمها من أن تعيش لذة الحب بل وقد يكون باب شقاء وعذاب .
وهذا لتفريطها وإهمالها في حق قلبها الذي لم يخلقه الله عزوجل لأجل أن
يقتله حب زوج او حب ولد او حب دنيا ..

*******

لو تدرك هذه الملكة أن أجل وأكبر حق هو عنايتها بقلبها
وأنه مفتاح النجاح والفلاح نحو حياة سعيدة في الدنيا و الآخرة
و لن تجد لها نحو مسؤولياتها ومملكتها في ذلك خير معين كعنايتها بقلبها
الذي هو مكمن الحياة .

اعتناكِ بقلبكِ سيعلمكِ كيف تحبي زوجكِ وتعيشي لذة الحب ومعاني المشاعر .
وكيف تحبي مملكتكِ وتعيشي معاني الدفء والفرح والسعادة
سيعلمكِ كيف سيكون تعاملكِ مع زوجكِ وقت الخلاف او عند الأزمات في مملكتكِ
سيعلمكِ أن حب الله عزوجل هو الغاية العظمى وأن ما دونه  من الحب ما هو إلا
محطات وسبل لتعظيم حب الله في قلوبنا
اعتناكِ بقلبكِ سيشعركِ أن لا انكسار يدوم وهناك جبار يجبر الخواطر وينزل على
القلوب السكينة والطمأنينة .
لذلك كان حديثا لكِ عن " العناية القلبية "

كيف اعتني بقلبي ؟

الاعتناء بالقلب وذلك بالبحث عن كل ما يطهره ويزكيه  ويقربه من خالقه
وتذكيره بكل ما يوجب محبة الله عزوجل فإن سعيه في ذلك يحصل معه
صلاح قلبه وازدهاره وتربيته وسلامته ..
وفي كلام شيخنا ابن القيم رحمه الله ما يشمل معاني الإلمام بهذا القلب
وجلب محبة الله عزوجل وهي الغاية والمطلب الأساسي والتي من خلالها
تشرق أنوار السعادة والفلاح ..
*******
قال رحمه الله في (مدارج السالكين)
في الأسباب الجالبة للمحبة ، والموجبة لها وهي عشرة .

أحدها : قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به ، كتدبر الكتاب
الذي يحفظه العبد ويشرحه . ليتفهم مراد صاحبه منه .

الثاني : التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض . فإنها توصله إلى درجة
المحبوبية بعد المحبة .

الثالث : دوام ذكره على كل حال : باللسان والقلب ، والعمل والحال .
فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر .

الرابع : إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى ، والتسنم إلى محابه ،
وإن صعب المرتقى .

الخامس : مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ، ومشاهدتها ومعرفتها . وتقلبه في رياض
هذه المعرفة ومباديها . فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله : أحبه لا محالة .
ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين
الوصول إلى المحبوب .

السادس : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ، ونعمه الباطنة والظاهرة . فإنها داعية
إلى محبته .

السابع : وهو من أعجبها ، انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى .
وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات .

الثامن : الخلوة به وقت النزول الإلهي ، لمناجاته وتلاوة كلامه ، والوقوف
بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه . ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة .

التاسع : مجالسة المحبين الصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما
ينتقي أطايب الثمر . ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام ، وعلمت أن فيه
مزيدا لحالك ، ومنفعة لغيرك .

العاشر : مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل .

فمن هذه الأسباب العشرة : وصل المحبون إلى منازل المحبة .
ودخلوا على الحبيب .

وملاك ذلك كله أمران :
استعداد الروح لهذا الشأن ، وانفتاح عين البصيرة .
وبالله التوفيق .

والوصول لهذه المنازل أيتها الزوجة هي السعادة وخير ما يعتني بها
القلب وخير زاد  يتغذى به .
همسات ..
اعتنائكِ بقلبكِ !.. يعني أنكِ ستدركِ تجارة النيات .. فإعفافكِ لزوجكِ ونظرة
سرور منه منكِ وعنايتكِ بنفسكِ ومظهركِ , ووقوفكِ في مطبخكِ وغسل
الأطباق وترتيبكِ لبيتكِ ووو
كل ذلك سيكون في ميزان حسناتكِ ...
اعتنائكِ بقلبكِ !.. سيجعلك تعيشي معنى الحب الحقيقي وتنعمي وتتلذذي
به بعيدا عن جرح المشاعر وكسر الخواطر..
لأنكِ تدركِ أين تضعي مشاعركِ وكيف تتحكمي بها  بحيث تتجنبي ما يخدشها .
وتميزي معها حين يميل قلبكِ مندفعا من العواطف الفطرية الطبيعية  التي فطرها
الله لتتحول لمشاعر تعلق وهوى فلا تجد غير التعب والحزن .
اعتنائكِ بقلبكِ !.. سيفتح لكِ  ألوان و إشرقات نحو الحياة الطيبة الجميلة  
وذلك حين يدرك قلبكِ أن التعامل الحسن والتغافل والأخلاق الحسنة
والدعوة والنصيحة  خير منهج تبني عليه مملكتها ..
وتتعامل به مع أقاربها وأقارب زوجها .
اعتنائكِ بقلبكِ !.. يجعلكِ لا تشاركِ زوجكِ الخطأ تحت مسمى الحب او الطاعة بل
سيجعلكِ تستشعري مسؤليتكِ نحو طرح الحلول بلمسه حب صادقة وشفقة محب ..
تزيد الحب حبًا فخير ما تعين وتقدمه الزوجة لزوجها هو إعانته على الصلاح .
اعتنائكِ بقلبكِ !.. ستدركِ من خلاله ما عليها من عظيم مسؤولية وكثير من الواجبات
التي تستطيع أن تجعلها عبادات كأجور الجهاد ...
إلى جانب ما تجده من دافع وتشجيع وتجديد ومواساة لما تعانيه من تعب
ونصب في خضم مملكتها ...
لا تنتظر معه جبر او شكر من البشر .
والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم


ساهم فى نشر الموضوع ليكون صدقة جارية لك.

رابط الموضوع:



لاضافة الموضوع في مدونتك او المنتدى:

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

أنت الزائر رقم : (مصدر الأحصائيات جوجل)

المتواجدون الأن

( مصدر الأحصائيات جوجل )

إعلان دائم

تنوه إدارة الموقع إلى أن جميع الأراء والأفكار المطروحه لاتمثل رأي أو وجهة نظر إدارة الموقع وإنما تقع مسؤليتها القانونية على كاتبها .